الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
427
تفسير روح البيان
من ضعف طالب الجنة ونعيمها بأضعاف مضاعفة اللهم اهدنا إليك أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ الهمزة لانكار الوقوع كما في قوله أاضرب أبى لا لانكار الواقع كما في قوله أتضرب أباك اى ما كان ينبغي ان يود رجل منكم أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ كائنة مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ والجنة تطلق على الأشجار الملتفة المتكائفة وهو الأنسب بقوله تعالى تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إذ على كونها بمعنى الأرض المشتملة على الأشجار الملتفة لا بد من تقدير مضاف اى من تحت أشجارها لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ الظرف الأول خبر والثاني حال والثالث مبتدأ اى صفة للمبتدأ قائمة مقامه اى له رزق من كل الثمرات كما في قوله تعالى وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ اى وما منا أحد الا له إلخ وليس المراد بالثمرات العموم بل انما هو التكثير كما في قوله تعالى وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فان قلت كيف قال جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ثم قال لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ * قلت النخيل والأعناب لما كانا أكرم الشجر وأكثرها نفعا خصهما بالذكر وجعل الجنة منهما وان كانت محتوية على سائر الأشجار تغليبا لهما على غيرهما ثم اردفهما ذكر كل الثمرات وَ الحال انه قد أَصابَهُ الْكِبَرُ اى كبر السن الذي هو مظنة شدة الحاجة إلى منافعها ومئنة كمال العجز عن تدارك أسباب المعاش وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ اى أصابه الكبر والحال ان له ذرية صغارا لا يقدرون على الكسب وترتيب مبادى المعاش فَأَصابَها اى تلك الجنة إِعْصارٌ اى ريح عاصفة تستدير في الأرض ثم تنعكس منها ساطعة إلى السماء على هيئة العمود فِيهِ نارٌ شديدة فَاحْتَرَقَتْ فصارت نعمها إلى الذهاب وأصلها إلى الخراب فبقى الرجل متحيرا لا يجد ما يعود به عليها ولا قوة له ان يغرس مثلها ولا خير في ذريته من الإعانة لكونهم ضعفاء عاجزين عن أن يعينوه وهذا كما ترى تمثيل لحال من يفعل الأفعال الحسنة ويضم إليها ما يحبطها كرياء وإيذاء في الحسرة والأسف إذا كان يوم القيامة واشتدت حاجته إليها ووجدها محبطة بحال من هذا شأنه وأشبههم به من جال بسره في عالم الملكوت وترقى بفكره إلى جنات الجبروت ثم نكص على عقبيه إلى عالم الزور والتفت إلى ما سوى الحق وجعل سعيه هباء منثورا : قال الحافظ زاهد أيمن مشو از بازئ غيرت زنهار * كه ره از صومعة تا دير مغان اين همه نيست كَذلِكَ اى مثل ذلك البيان الواضح الذي بين فيما مر من الجهاد والانفاق في سبيل اللّه وقصة إبراهيم وعزير وغير ذلك لكم أيها الفريق يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ اى الدلالات الواضحة في تحقيق التوحيد وتصديق الدين لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ كي تتفكروا فيها وتعتبروا بما فيها من العبر وتعملوا بموجبها * قال القشيري هذه آيات ذكرها اللّه على جهة ضرب المثل للمخلص والمنافق والمنفق في سبيل اللّه والمنفق في الباطل هؤلاء يحصل لهم الخلف والشرف وهؤلاء يحصل لهم السرف والتلف وهؤلاء ضل سعيهم وهؤلاء شكر سعيهم وهؤلاء تزكو أعمالهم وهؤلاء حبطت أعمالهم وخسرت أموالهم وختمت بالسوء * أحوالهم وتضاعف عليهم وبالهم وثقل ومثل هؤلاء كالذي أنبت زرعا زكا أصله ونما فضله وعلا فرعه وكثر نفعه ومثل هؤلاء كالذي خسرت صفقته وسرقت بضاعته وضاقت على كبر سنه غلته